السيد حيدر الآملي
523
تفسير المحيط الأعظم والبحر الخظم في تأويل كتاب الله العزيز المحكم
ذاته ووجوده وحقيقته ، فان هالك مضمحلّ ، وهذا هو الصّحيح الواقع لقوله أيضا : هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْباطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [ سورة الحديد : 4 ] . لأنّ الأوصاف الأربع شامل لجميع الجهات وجميع الأوصاف المترتبة عليها ولهذا قال : فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْه ُ اللَّه ِ [ سورة البقرة : 115 ] . لأنّ الوجه ليس إلَّا الذات ، والذّات هو الوجود ، والوجود هو المحيط المطلق ، وجميع الأشياء محاطاته ومقيّداته كما قال : إِنَّه ُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ [ سورة فصّلت : 54 ] . وإذا تقرّر هذا ، فاعلم ، أنّ المحيط لا ينفك عن المحاط ولا المحاط عن المحيط ومع ذلك لا يكون مخصوصا بمحاط دون محاط ولا بجهة دون جهة بل يكون بالنّسبة على الكلّ على سواء ، وهذا يسمّى إحاطة وجوديّة ومعيّة عامّة ، فأمّا الإحاطة الصفاتيّة والمعيّة الفعليّة فتلك للأنبياء والرّسل والأولياء والكمّلين وتلك أعزّ من الكبريت الأحمر والغراب الأبيض وقد سبق ذكرها مرارا . وأمّا المعيّة العامّة الوجوديّة فتلك معلوم من قوله : إِنَّه ُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ [ سورة فصّلت : 54 ] . لكن قوله تعالى عقيب الآية : أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّه ُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ أَلا إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقاءِ رَبِّهِمْ أَلا إِنَّه ُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ . يشهد بذلك صريحا ، لأنّه يقول على سبيل التنبيه ، أي لم يكف لعبادنا في مشاهدتنا إنّهم يشاهدونا في كلّ ذرّة من ذرّات الوجود ومظهر من مظاهره في كلّ لمحة ولحظة وبل في كلّ آن حتّى يرجعون لقاءنا وينتظرون شهودنا في مشهد غير هذا المشهد ويوم غير هذا اليوم وكيف يمكن مشاهدة المحيط بدون مشاهدته في المحاط أو مع المحاط وكيف يتصوّر مشاهدة المطلق بدون مشاهدة المقيّد لأن المحاط عين المحيط